الشيخ محمد آصف المحسني
257
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
هذا ولكن هذا الإشكال مقطوع البطلان ، فإن القبح وإن كان بالوجوه والاعتبار غير أنّه من الواضح أنّ قبح الكذب لا يزول إلّا من جهة الاضطرار الممتنع في حقّ القادر على كلّ شيء ، فإنه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض ، فلا يعقل جواز الكذب في حقّه أبدا ، وهذا ظاهر . وأمّا النبي فقد استدلّ المحقّق الأصولي صاحب الفصول على امتناع الكذب في حقّه بوجهين : الأول : إن المعجزة تدلّ على تصديق اللّه إيّاه فيما يدّعي ويخبر به ، ولا ريب في قبح تصديق الكاذب إلّا مع الاضطرار ؛ لأنّه في معنى الكذب وقد ثبت امتناع الاضطرار عليه تعالى . الثاني : إنه لو جاز التقية على النبياء لزال فائدة بعثتهم ، وهو مناف للحكمة الباعثة عليه . ثم قال : وأمّا الإمام فليس الحال فيه كذلك ، والفرق أن النبي منصوب بقاعدة اللطف لاظهار الحقّ وإمحاق الباطل وإتمام الحجّة وقطع المعاذير على من آمن برسالته ومن كفر بها ، سواء أمن من شره أو لم يأمن ، وأمّا الإمام فهو وإن كان قائما مقام الرسول في كونه الرئيس العام الواجب اتّباعه على سائر الأنام ، إلّا أن منصبه منصب العلماء الحاملين لأحكام الشريعة وأسرارها ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عند التمكّن من الضرر ، فإذا اضطرّوا إلى التقيّة في الكلام جاز لهم ذلك بطريق التورية . وأسر في ذلك : أن الحجّة قد تمّت ولزمت على الأنام ببيان الرسول عليه وآله السلام حتى بالنسبة إلى وجوب معرفة الإمام واتّباعه ، فشأنه بعد الرسول إنّما هو إزاحة الجهل ببيان ما يحتاج إليه من تفاصيل المعارف والأحكام مع أمن الضرر ، ولا ريب أن هذا لطف آخر لا يغني عنه اللطف السابق ، وعند التحقيق هذا كمال لذلك اللطف . . . الخ . أقول : لم أر لحدّ الآن أحدا من علمائنا ذكر جواز التقية على النبي صلّى اللّه عليه واله غير أن جملة من علماء العامة نسبه إلى الامامية ، وأنّهم يقولون بجواز التقية على النبي ، وهذه النسبة كذب ، بل الأمر بالعكس ؛ إذ يظهر من بعض رواياتهم أن النبي الخاتم صلّى اللّه عليه واله كان يتّقي من قوم عائشة ، كما ورد « 1 » أنه صلّى اللّه عليه واله قال لعائشة : لولا أن لقومك عهدا بالجاهلية - وفي رواية عهد حديث بالكفر - وأخاف أن ينكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت ما أخرج عنه . . . الخ ، فتدبر . وأما ما ذكره صاحب الفصول قدّس سرّه من الوجهين المتقدّمين والفرق بين الإمام والنبي فهو ممنوع بل ظاهر الفساد ، كما لا يخفى على الخبير .
--> ( 1 ) رواه القاضي في صوارمه عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة ، ومن المتّفق عليه ، وذكره شارح الوقاية من الحنفية في كتاب الحجّ .